الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

229

نفحات القرآن

أمّا الآية الثانية فهي انعكاس - ولكن بتعابير أُخرى - لنفس هذه القضية ، فهناك كان الكلام عن السباق وهنا عن المسارعة ، وهناك أوضحت الآية أنّ سعة الجنّة بعرض السماء والأرض ، وهنا حُذِفت « كاف » التشبيه ، وحلّت كلمة السماوات محل كلمة السماء ، وأشارت الآية هناك إلى أنّها - أي الجنّة - اعدّت للذين آمنوا باللَّه ورسله ، وهنا تقول الآية أنّها : « اعدّت للمتقين » حيث نصّت على : « وَسَارِعُوا الَى مَغفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّموَاتُ وَالْأَرضُ اعِدَّت لِلمُتَّقِينَ » . ولا يخفى أنّ « التسابق » يرتبط « بالمسارعة في العمل » وأنّ « المتقين » هم « الذين يؤمنون باللَّه ورسله » وذلك لأنّ التقوى هي انعكاس للإيمان الراسخ ، وكلمة « السماء » تنطوي أيضاً على معنى الجنس الذي يشمل جميع السماوات ، إذن فالآيتان في واقعهما تنشدان حقيقة واحدة . وهنا واجه الكثير من المفسّرين سؤالًا حول ما إذا كانت سعة الجنّة كعرض السماوات والأرض ، فلن يبقى هناك مكان للنار ! ويمكن تبيان جواب هذا السؤال بالصورة الآتية ، وهي أنّ العالم يومذاك سيكون أوسع بمرّات عديدة من عالمنا هذا ، لأنّه عالم أفضل وأكمل ، وستكون سعة الجنّة فيه بسعة السماء والأرض في عالم اليوم ، والنّار في معزل عنه ، لأنّ ذلك العالم أوسع من عالمنا اليوم في جميع الجوانب . وهناك جواب آخر أيضاً عن هذا السؤال يتلخص في أنّ النور والظلام متزاحمان ، وكذلك النعمة والنقمة في هذا العالم ولا تجتمعان طبعاً في مكان واحد ، ولكن ذلك العالم لا يحفل بمثل هذا التزاحم ، فربّما يوجد الاثنان معاً وهما يغطّيان العالم في وقت واحد ، وبما أنّهما مرحلتان من مراحل الوجود والكينونة فهما لا يتزاحمان مع بعضهما . ويمكن الإتيان بمثال بسيط لتوضيح هذا المعنى في الأذهان وهو : ربّما تقوم احدى محطات الارسال الاذاعي ببث صوت رقيق وناعم على احدى موجاتها وفي نفس الوقت ينبعث من محطّة إرسال أُخرى صوت مزعج وكريه يصمّ الآذان مصحوباً بأنغام مرعبة ،